لقد سنحت لي الفرصة بإنهاء قراءة رواية " سخطindignation " للكاتب الأمريكي فيلب روث في وقت قياسي جدًا، قبل مشاهدة الفيلم. وهي واحدة مِن تلك الروايات الماكرة، التي يكون فيها للكاتب كامل الحق بتعذيب شخصياته بطريقة تظهر للقارئ مدى عبثية القدر. ويستمر بصدم القارئ بشكل مُتواصل، يجّعل مِن مفارقة الكتاب أمر صعب بل مستحيل.
- عن القصة:
تتناول الرواية حياة شاب إسمه ماركوس ميسنير لم يبلغ التاسعة عشر من عمره بعد، يعيش في مدينه نيوأرك مع أبواه، يحاول المضي في حياته الخاصة، ليصير محاميًا في زمن سيطرت فيه مخاوف الحرب على حياة المجتمع الأمريكي.
يقع ماركوس في الحب، ويحاول كبح رغابته الجنسية، لكن شابًا بمثل هذا الحظ العتر لا بد وأن يقع في حب من هي أكثر تعاسه منه. تسطير مخاوف الحرب على أسرة ماركوس، فيسعى للعثور على أسرع طريق للهروب من هذا الرعب، فيحاول فرض قرارته على الجميع حتى ابواه وزملائه. سواء تقبلوها أو مات معها.
ولكن يصعب أنّ يصدق المرء أحيانًا كيف أن القدر يخبئ له مفاجأة غير متوقعة على الدوام.
- عن ماركوس:
من الطبيعي جدًا لكل أنسان أن يحس في وقت ما في حياته برغبة في الاستقلال، تلك الرغبة التي تدفعه للابتعاد عن اسرته لبناء حياته وتجاربه الخاصة. بالنسبة لماركوس، الذي عاش تحت ضغوط مخاوف ابوه الجزار المستمرة، فقط كانت الدراسة الجامعية حجته الوحيدة للهروب والحصول على ذلك الاستقلال. لكن ماركوس، كان يطمح إلى أكثر ما يمكن أن يحقق، فماركوس الذي جاء أيضًا من جذور عائلة يهودية لم يسبق لي أي فرد منها أن تمكن من الالتحاق بالجامعة، نكتشف لاحقًا-أنه ليس له أي معتقدات دينية أيضًا ويختار لنفسه الالحاد. يخشى ماركوس الفشل الدراسي فيبدي اجتهاد وتفوق واضحان لكيلا يلتحق بالجيش في الحرب الكورية التي جرت بداية الخمسينات، حيث كانت الدراسة هي منقدة وملاذه الوحيد من البيت الابوي والحرب.
وليس بوسع المرء الذي يرتكب الحماقات أن يحدد مدى فداحة حماقته، غالبًا، لا يعرف ما هي تلك الحماقات التي يرتكبها حتى يمضي وقت طويل أو يبتعد بضع خطوات ليراها بوضوح. وذلك يحدث بشكل تلقائي مع أغلبنا وليس مع ماركوس وحسب، إذ ربما ما تقوم به اليوم ويبدو لك عملًا عظيم، سيجعلك تشعر بالحرج بعد عدة سنوات. ولكن ماذا لو كنت ستراقب كل حماقتك تلك من العالم الأخر وتكتشف مؤخرًا كم كنت شخص اناني في نظر الاخرين بسبب تلك القرارات!
أن تعيد عيش تلك الحماقات بلا انقطاع فيما أنت راقد في القبر.
- عن فيلب روث:
على الرغم من أنّ الكاتب فيلب روث واحد مِن أشهر كتاب أمريكا الذي صنفوا تحت حركة ما بعد الحداثة، إلا انه من المحرج القول، أنني لم أقرأ أي من اعماله قبل عثوري على " سخط". ليس فقط لأنني لم أسمع به قبل ذلك، لكن غالبًا لأنه من الصعب التصديق أن كاتب بمثل هذه الشهرة، لم تحضي اعماله الأدبية إلا على ترجمات ضئلية للغاية، ومنها ترجمة عربية صدرت عن دار الجمل لرواية سخط من عمل المترجم خالد الجيبيلي.
كما أن سخط أيضًا ليست العمل السينمائي الأول المستوحى من روايته. ومِثل باقي كتاب أمريكا من هذا الجيل، أمثال دون ديليلو، وجون ابدايك وتوماس بينشون وبول اوستر. أسعى أن أكون ملمة بقراءة أعمالهم، ولا شك في أنّ السينما فرصة جيدة لاقتحام عوالم هؤلاء الكتاب، فغالبًا بعد أنّ تقع في حب فيلم ما، تجد نفسك متورط في قراءة الرواية التي اقتبس عنها العمل، وهكذا، عثرت على رواية " سخط" واقتحمت هذا العالم الجديد.
- عن الفيلم:
يبدو أن فيلم " سخط" هو التجربة السينمائية الأولي للمخرج " جيمس شاموس" الذي سبق وشارك في إنتاج الكثير من الأعمال الهوليوديه الشهرية. ومع أنّ نص الفيلم الذي يوشك أنّ يبدو بسيط للغاية، إلا انني اعتقد بأن مخرج وكاتب العمل، شاموس، قد نجاح في خلق صورة جيدة عن رواية بمثل هذا العمق والكثير من الألاعيب السردية، إذ ما زالتُ اعتقد أن أصعب الاعمال الأدبية هي تلك التي تكون مبنية على فكرة العبثية. الاعمال التي لا تكون لها هدف معين سوى تتبع ليوميات شخصية ومشاهدتها وهي تتطور وتنمو. لأن المشاهد الذي لا يجد متعة في تتبع هذه الأحداث العشوائية للحياة اليومية، قد يجد القصة بلا معنى في الأساس، لكن لو تمكن المخرج من العثور على خيط جيد لربط تلك الاحداث العبثية ليخلق بها صورة واضحة أمام هذا النوع من المشاهدين، لا شك في ان الرواية ستتحول إلى عمل جيد.
يقوم المُمثل الشاب لوجان ليرمان، بلعب دور شخصية ماركوس، ورغم أنني لم أحس بأن ماركوس الفيلم كان بنفس قوة ماركوس الرواية الذي كان صوته سببًا في انغماسي في القراءة، إلا أن ماركوس الفيلم كان أكثر رقة وبدأ أنه أكثر لطف وحساسية وليس حادًا، وربما ذلك حتى يتسنى للمشاهد تقبل فكرة أن ماركوس طالب مجهد وشاب خجول في المقام الأول. وهذا يظهر في عدة مشاهد منها مواجهته لمشرف المسكن الذكوري، والطريقة التي اظهر فيها خوفه واشمئزازه وهو أحد الحوارات الطويلة المُمتعة حيث يعبر فيها ماركوس عن موقف إلحاده مستنجدًا بمقال " لماذا لست مسحيًا" للكاتب برتراند راسل، فيتكلم ماركوس بقوة عن رأيه لينال اعجاب المشرف، وقوة تمسكه بحلمه بأن يصير محاميًا رغم أن نفس تلك المعتقدات التي صرخ بها تسببت في قلب حياته رأسًا على عقب.
- في المجمل:





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق