الثلاثاء، 6 ديسمبر 2016

سخط Indignation: بين الرواية والفيلم




لقد سنحت لي الفرصة بإنهاء قراءة رواية " سخطindignation " للكاتب الأمريكي فيلب روث في وقت قياسي جدًا، قبل مشاهدة الفيلم. وهي واحدة مِن تلك الروايات الماكرة، التي يكون فيها للكاتب كامل الحق بتعذيب شخصياته بطريقة تظهر للقارئ مدى عبثية القدر. ويستمر بصدم القارئ بشكل مُتواصل، يجّعل مِن مفارقة الكتاب أمر صعب بل مستحيل.
  • عن القصة:

تتناول الرواية حياة شاب إسمه ماركوس ميسنير لم يبلغ التاسعة عشر من عمره بعد، يعيش في مدينه نيوأرك مع أبواه، يحاول المضي في حياته الخاصة، ليصير محاميًا في زمن سيطرت فيه مخاوف الحرب على حياة المجتمع الأمريكي.
يقع ماركوس في الحب، ويحاول كبح رغابته الجنسية، لكن شابًا بمثل هذا الحظ العتر لا بد وأن يقع في حب من هي أكثر تعاسه منه. تسطير مخاوف الحرب على أسرة ماركوس، فيسعى للعثور على أسرع طريق للهروب من هذا الرعب، فيحاول فرض قرارته على الجميع حتى ابواه وزملائه. سواء تقبلوها أو مات معها.
ولكن يصعب أنّ يصدق المرء أحيانًا كيف أن القدر يخبئ له مفاجأة غير متوقعة على الدوام.


  • عن ماركوس:
من الطبيعي جدًا لكل أنسان أن يحس في وقت ما في حياته برغبة في الاستقلال، تلك الرغبة التي تدفعه للابتعاد عن اسرته لبناء حياته وتجاربه الخاصة. بالنسبة لماركوس، الذي عاش تحت ضغوط مخاوف ابوه الجزار المستمرة، فقط كانت الدراسة الجامعية حجته الوحيدة للهروب والحصول على ذلك الاستقلال. لكن ماركوس، كان يطمح إلى أكثر ما يمكن أن يحقق، فماركوس الذي جاء أيضًا من جذور عائلة يهودية لم يسبق لي أي فرد منها أن تمكن من الالتحاق بالجامعة، نكتشف لاحقًا-أنه ليس له أي معتقدات دينية أيضًا ويختار لنفسه الالحاد. يخشى ماركوس الفشل الدراسي فيبدي اجتهاد وتفوق واضحان لكيلا يلتحق بالجيش في الحرب الكورية التي جرت بداية الخمسينات، حيث كانت الدراسة هي منقدة وملاذه الوحيد من البيت الابوي والحرب.

وليس بوسع المرء الذي يرتكب الحماقات أن يحدد مدى فداحة حماقته، غالبًا، لا يعرف ما هي تلك الحماقات التي يرتكبها حتى يمضي وقت طويل أو يبتعد بضع خطوات ليراها بوضوح. وذلك يحدث بشكل تلقائي مع أغلبنا وليس مع ماركوس وحسب، إذ ربما ما تقوم به اليوم ويبدو لك عملًا عظيم، سيجعلك تشعر بالحرج بعد عدة سنوات. ولكن ماذا لو كنت ستراقب كل حماقتك تلك من العالم الأخر وتكتشف مؤخرًا كم كنت شخص اناني في نظر الاخرين بسبب تلك القرارات!
أن تعيد عيش تلك الحماقات بلا انقطاع فيما أنت راقد في القبر.
  • عن فيلب روث:
على الرغم من أنّ الكاتب فيلب روث واحد مِن أشهر كتاب أمريكا الذي صنفوا تحت حركة ما بعد الحداثة، إلا انه من المحرج القول، أنني لم أقرأ أي من اعماله قبل عثوري على " سخط". ليس فقط لأنني لم أسمع به قبل ذلك، لكن غالبًا لأنه من الصعب التصديق أن كاتب بمثل هذه الشهرة، لم تحضي اعماله الأدبية إلا على ترجمات ضئلية للغاية، ومنها ترجمة عربية صدرت عن دار الجمل لرواية سخط من عمل المترجم خالد الجيبيلي.

كما أن سخط أيضًا ليست العمل السينمائي الأول المستوحى من روايته. ومِثل باقي كتاب أمريكا من هذا الجيل، أمثال دون ديليلو، وجون ابدايك وتوماس بينشون وبول اوستر. أسعى أن أكون ملمة بقراءة أعمالهم، ولا شك في أنّ السينما فرصة جيدة لاقتحام عوالم هؤلاء الكتاب، فغالبًا بعد أنّ تقع في حب فيلم ما، تجد نفسك متورط في قراءة الرواية التي اقتبس عنها العمل، وهكذا، عثرت على رواية " سخط" واقتحمت هذا العالم الجديد.
  • عن الفيلم:
يبدو أن فيلم " سخط" هو التجربة السينمائية الأولي للمخرج " جيمس شاموس" الذي سبق وشارك في إنتاج الكثير من الأعمال الهوليوديه الشهرية. ومع أنّ نص الفيلم الذي يوشك أنّ يبدو بسيط للغاية، إلا انني اعتقد بأن مخرج وكاتب العمل، شاموس، قد نجاح في خلق صورة جيدة عن رواية بمثل هذا العمق والكثير من الألاعيب السردية، إذ ما زالتُ اعتقد أن أصعب الاعمال الأدبية هي تلك التي تكون مبنية على فكرة العبثية. الاعمال التي لا تكون لها هدف معين سوى تتبع ليوميات شخصية ومشاهدتها وهي تتطور وتنمو. لأن المشاهد الذي لا يجد متعة في تتبع هذه الأحداث العشوائية للحياة اليومية، قد يجد القصة بلا معنى في الأساس، لكن لو تمكن المخرج من العثور على خيط جيد لربط تلك الاحداث العبثية ليخلق بها صورة واضحة أمام هذا النوع من المشاهدين، لا شك في ان الرواية ستتحول إلى عمل جيد.


يقوم المُمثل الشاب لوجان ليرمان، بلعب دور شخصية ماركوس، ورغم أنني لم أحس بأن ماركوس الفيلم كان بنفس قوة ماركوس الرواية الذي كان صوته سببًا في انغماسي في القراءة، إلا أن ماركوس الفيلم كان أكثر رقة وبدأ أنه أكثر لطف وحساسية وليس حادًا، وربما ذلك حتى يتسنى للمشاهد تقبل فكرة أن ماركوس طالب مجهد وشاب خجول في المقام الأول. وهذا يظهر في عدة مشاهد منها مواجهته لمشرف المسكن الذكوري، والطريقة التي اظهر فيها خوفه واشمئزازه وهو أحد الحوارات الطويلة المُمتعة حيث يعبر فيها ماركوس عن موقف إلحاده مستنجدًا بمقال " لماذا لست مسحيًا" للكاتب برتراند راسل، فيتكلم ماركوس بقوة عن رأيه لينال اعجاب المشرف، وقوة تمسكه بحلمه بأن يصير محاميًا رغم أن نفس تلك المعتقدات التي صرخ بها تسببت في قلب حياته رأسًا على عقب.
  • في المجمل:
سخط هو اختصار معناه عام من حياة ماركوس ميسنير، سخط القدر اللعين، أظن أنها من أكثر الاعمال التي سأنصح بقراءتها أو مشاهدتها لمن هم في سن العشرين أو تحت العشرين، إذ أن حياة ماركوس تعبر عن ذلك الحماس والمخاوف الذي نعيشها في مرحلة القفز بين سن المراهقة والنضوج.



الثلاثاء، 6 سبتمبر 2016

فيلم شيطان النيون ومفهوم الجمال في عصر الحداثة










الممثلة إيل فانينغ في دور شخصية جيسي



" لقد ارهقتك الحشرات السامة فخدشت جلدك وأسالت مِنك الدِماء، وأنت تتحصن بكبرك لتكظم غيظك وهي تود لو أنها تمتص كل دمك معتبرة أن من حقها أن تفعل؛ لأن دمها الضعيف يطلب دمًا ليتقوى، فهي لا ترى جناحًا عليها إذ تنشب حمتها في جلدك."

-         نيتشيه.

تبدو رحلة مشاهدة عملًا أخر لنيكولاس ريفن، مثل تذكرة لدخول الجنة. تنتظر الفيلم، ثم تترك روحك لتحلق من فرط السعادة.. هذه الميزة التي لا تحصل عليها في كثير من الأفلام، ميزة أن تشاهدًا فيلمًا، وتراه عينك بطريقة، وتقرأه بعقلك بشكل مختلف، وقد لا يتفق مشاهدان على نفس الفكرة التي خرجوا بها من تجربة الفيلم.
 وهي ميزة لا تتاح للمشاهد كل يوم.. كعادة أفلام ريفن، الافراط في خلق المشاهد الجميلة بصريًا، الألوان الزاهية، الارجواني والازرق، جمالية ان تندمج روحك داخل الفيلم، وتنصهر فيه، ثم تصير روحك جزء من الصورة التي تشاهدها.. الفرط بالإحساس، ولا تسمح لغموض القصة بأن يفسد عليك جمال تلك المشاهد، فالقصة في النهاية، هي الشيء الذي سوف يستنتجه عقلك في نهاية التجربة وليس حقا ما ستراه.



يقول الكاتب الأمريكي بول اوستر: "ان هناك نوعان من القراء، الشاعر.. وهو الذي يمسك الكتاب فيحب أن يتأمل اللغة ويستمتع بإيقاعات كل جملة، وقارئ الجرائد.. الذي يمسك الكتاب ويقرأ حتى يعتر على الحدث من دون ان يصب اهتمامه باللغة،" بالطبع، النوع الثاني، هو نفسه النوع الذي يشاهد الفيلم، فقط ليعرف ماذا سيحل بالبطل في النهاية.. من دون ان يعطي اهتمامًا كبيرًا لإيقاعات الصورة، أو الموسيقي بالخلفية، او حركة الكاميرا، او حتى ايماءات المُمثلين.. وهو النوع الذي لن يتمكن من الاستمتاع بفيلم " شيطان النيون" والذي كان عملاً أخر يضاف لقائمة الأفلام المفضلة عندي، من الناحية البصرية.



يبدأ الفيلم بمشهد لفتاة تجلس على كرسي بأجمل حلة، والدماء تتساقط من عنقها.. مشهد يختصر لنا الكثير من التناقضات التي سنراها خلال العمل.. جلسة تصوير، فيما يجتمع الجمال بالموت، الحياة بالبشاعة.. ثم نتعرف بعدها على بطلة الفيلم "جيسي،" -تلعب دورها إيل فانينغ- فتاة في السادسة عشر، تأتي إلى مدينة لوس انجلس لتصير عارضة (موديل) من دون ان تحمل أي ماضي معها سوى انه لا عائلة لها، ونكتشف أنها عذراء تتظاهر بالمعرفة بسبب خوفها من الجنس، وتقول في أحد المشاهد:


 "لم أكن جيدة في الكتابة أو الغناء.. لكني كُنت جميلة، والجمال يصنع النقود."


تنتقل جيسي للعيش وحيدة في شقة، في المدينة الكبيرة، حيث يلعب "كيانو ريفز"، دور صاحب البناية في هوليود، وهو رجل وغد وغاضب طوال الوقت، ويعتقد بأن جيسي تحتال عليه بعد ظهورحيوان اللبوة في شقتها من العدم -وهي أحد رموز الفيلم الغامضة.. ونرى هنا أيضًا، التشابه الكبير بين شخصية جيسي وبين بطل فيلم "درايف “DRIVE، حيث نشعر بروح لوس انجلس تطغو على أسلوب نيكولاس ريفن من جديد، فتاة مجهولة في شقة وحيدة مع جدران ملونة وحلم كبير.

تتطور أحداث الفيلم بعد أن تلتقي جيسي بفنانة المكياج، روبي – جينا مالون-وتعمل فنانة مكياج للعارضات في جلسات التصوير وأيضًا فنانة مكياج لجثث الأموات قبل دفنهم – تناقض أخر بين الموت والجمال-والتي تعرض عليها المساعدة ويتصادف أن يلتقيان في عدة مناسبات، فتعرفها على العارضات الأخريات اللواتي يعملن في نفس المجال، وهنا، تبدأ ملامح الفيلم بوضوح، حين تبدو أحدهن الشعور بالغيرة في أول لقاء لها من جيسي، مثل أنّ تسألها: هل انفك حقيقي أم ألا، ثم تسألها إذا كان لون شعرها حقيقي أم لا أيضًا."                                                                                                                 
                                                                          

 الغيرة التي تنشب بين العارضات، ورغبة كل واحده فيهن بأنّ تكون الأكثر جمالًا وتميز.. الأنحف، الأروع، الأكثر تألق.. يقول نيكولاس ريفن، انه أختار أن يكون عالم الموضة هو مسّرح لأحداث فيلمه لأنه أكثر العوالم " زيفًا وتصنعًا."



 وفي هذا العالم المليء بالزيف والجمال، الذي تتصارع فيه العارضات، تأتي جيسي بوجهها الملائكي الجميل، لتحول حياة العارضات الأخريات إلي نار مشتعلة.. وحين تبدأ جيسي بالشعور بقوة ذلك الجمال البريء الخجول الذي يميزها عنهن، وانتصارها في جلسات التصوير، أو تفوقها في نيل إعجاب مصمم أزياء، يبدأ الصراع بين قوتها الداخلية والقوة الخارجية التي تتمثل في غيرة وحسد الجميع منها.


في أحد مشاهد الفيلم، حين تظهر جيسي في مثلث الضوء الأزرق، مع الموسيقية التصويرة التي لن ينساها عقلك، وتراقب نفسها فيما تبدأ بتقبل انعكاس صورة وجهها في المرأة.. ثم تتحول صورتها إلي اللون الأحمر الذي يعزز فيها الثقة ويتحول المثلث معها إلي الأحمر.. هذا الخليط الغريب بين حب الذات، والجمال الداخلي، والحسد، والغيرة، والرغبة في التفوق عن الاخريات، يجسده لنا نيكولاس بطريقة بصرية، أقرب إلى جولة داخل اعماق النفوس البشرية للأنثى، من خلال جسد فتاة في السادسة عشر، والمحيط المتوحش الذي يحاول سلبها ذلك الجمال، ربما تشعر معها بالرعب، والخوف من الجمال نفسه.. لكنه بالفعل الرعب النفسي داخل عقل فتاة والمسؤولية التي ترافق ذلك الجمال.


مشهد المثلث الأزرق




" أنك ستبلغ الجمال يومًا، فترفع المرأة إلى وجهك لتتمتع برؤية جمالك، وعندئذ تختلج روحك بالشهوات وعندئذ تتجلى العبادة في غرورك."

-         نيتشيه.

يقول ريفن، لقد ولدتُ قبيح لكن زوجتي كانت جميلة، فأردتُ صنع فيلمًا عن الجمال.. ونظرًا لكوننا نعيش في عالم تسطير عليه فكرة الجمال، والجمال الظاهري، فأن مشاهدة فيلم يظهر بشاعة الصراع عن الجمال هي بمثابة محاولة لعكس تِلك الاخلاقيات التي قضى عليها مفهوم الجمال في العصر الحديث. 

لم اشاهد أي عمل جسد تِلك الفكرة بنفس الطريقة التي حول بها نيكولاس ريفن، من خلال " الفتاة ذات السادسة عشر" التي تقطن في داخله – كما قال-أن يعكس ذلك المفهوم، الجانب الإنساني في عالم الموضة الذي قتله التصنع.. قد يجدها عدد كبير من الناس رؤية معقدة، ومبالغ فيها، لكن مفهوم الجمال والصراع الذي جعل كل تِلك العارضات تحولن أن تصّرن نسخة مطابقة عن الجمال الموجود في "جيسي،" من خلال الاستحمام بدمائها، وألتهام جسدها، تشبه في الواقع الوحشية التي يهجم بها المراهقين على صور النجوم أو المشاهير عبر مواقع التواصل الاجتماعي، الانستغرام والفيسبوك وغيرهما.. متحولين من شخصيتهم الخاصة إلى نسخة مطابقة عن ذلك النجم أو المغنية؛ حتى يحصلوا علىّ الاهتمام ويغدُو شعورهم بالنفص، والحصول على أكبر عدد إعجابات لصورهم الخاصة.. 

 حين يصيرو هؤلاء المراهقين، او الاجيال الأصغر، متابعين لأخر صيحات الموضة والجمال من دون أن يشكلوا فكرهم الخاص وذاتهم معتقدين انهم لن يكونوا جيدين إلا بالحصول علي تِلك الهيئة المثالية، أو أنّ يصيبوا بالإحباط والكأبه لكونهم لن يصيروا مثل تِلك أو ذاك.. والطريقة التي قد تقضي بها احدهن أو أحدهم عن شخصيته الخاصة ليصير نسخة مثالية عن أحد المشاهير.. أنه لأمر خطير ويصعب السيطرة عليه.





وتقول أحد العارضات متكلمة عن أخرى -في أحد الفيدوات في اليوتيوب- انها قد قامت باغلاق حساب الانستغرام بسبب الضغط التي تفرضه عليها الشركات؛ لتقضي ساعات في التقاط صورة مناسبة لها لتطرحها للمعجبين، وهي لا تكون راضية عنها في نهاية.. مِما يعني أن في ذلك الجمال المزيف انتهاك أيضًا، لاخلاقيات الانسان الذي هو العارضة نفسها.

 أراي أن مفهوم الجمال الذي طرحه ريفن، يحمل نظرة مختلفة رغم الرعب والبشاعة التي رافقت رؤيته، البدء من الصراع الداخلي والثقة بالنفس إلى الصراع مع المحيط لأثبات الذات. 


في النهاية كما يقول المخرج الإيطالي فيدريكو فيللني: " نحن نعيش في عالم المظاهر أكثر من الواقع."






الخميس، 4 أغسطس 2016

غيمة: سأبدأ الإمطار في اغسطس

 


أنا كاتبة سيئة، لا أعنى بذلك فقط عدم قدرتي على تسخير الكلمات لصيغ جمل متناسقة، جميلة الوقع، بل لأنني أيضًا لم أستطع إنهاء عمل واحد. وهذا لا يجعلني كاتبة سيئة وحسب، بل فاشلة أيضًا. قررتُ البدء بالتدوين، في محاولة مني لمجاهدة نفسي حتى أكتب بشكل مستمر، رغم أن الكتابة هي عادة يومية، لا أستطيع تخيل مرور يومًا من دون أن اخربش بضع سطور في مذكرة عشوائية، او تخيل نفسي اشاهد فيلمًا من دون الرغبة الجامحة في الكتابة عنه حتى ولو مجرد أفكار غير مرتبه في مسودة مقنعةً نفسي بأنني سأعود لتنسيقها لاحقًا، حتى ولو أن معظم تلك الكتابات تكدس من دون هدف مُعين أو جدوى.


قبل فترة طويلة، كانت الفكرة الراسخة في عقلي حول فان كوخ بأنه الرسام الذي يحب رسم نفسه كثيرًا؛ بسبب مشاهدتي المستمرة للوحاته التي تحتوي وجهه الكئيب، المهمش، ذو الشعر الأحمر، وذو العيون الكبيرة، والذي يفتقر للابتسامة. كان يبدو لي دائمًا بأنه رجل مغرم بذاته، وهذا ليس قبل ان تتسع معرفتي في عالم الفن وانتقل من مرحلة الجهل، حين فكرتُ كيف لشخص يحبُ نفسه بهذا القدر أن ينتحر؟ وبعد ذلك، أدركتُ بأنه لم يكن لديه نقود كافيه لأستأجر عارضًا او عارضة ليتدرب برسمهم، لم يكن له سوى وجهه، ولو انه كان فعلًا يُحِب ذلك الوجهة أو لا، فقد نجح في نقل تعابِيره لتظل خالده حتى يومنا هذا، متحدًا كل اشكال تطور العصر... ولهذا السبب فيما أفكر بيني وبين نفسي في سبب كوني كاتبة سيئة، أجد أنني لم أنجح في الكتابة عن أي شيء حقيقي، فليس عندي سوى الكتابة عن نفسي لكى لا تموت الكلمات في داخلي، فأنا لا اختلف عن فان كوخ الذي يرسم وجهه حتي لا تبتعد يداه عن الفرشاة لحظة، فأنا ادون هنا حتي اجد حجة أتدرب بها لتطوير مهاراتي، ولا تنقطع كتاباتي، حتي ولو لم يكن عندي غير نفسي.


لقد حاولتُ ان أجد عنوانًا ملائمًا لهذه الكلمات الطليقة هنا، وفكرتُ بأن محاولتي الكتابة لا تختلف عن محاولة الغيمة الإمطار، انها الرغبة في الافراغ، الرغبة في العطاء، ومن الجميل ان أمطر، وأمطر، وان يكون هناك زهور تنمو بسبب هذه المطر.
 سأبدأ هنا بمشاركة كل ما يدور داخل "الغيمة." وسأحاول ان لا اجعل هذا المطر يقف لمجرد أنني كاتبة سيئة.