الثلاثاء، 6 سبتمبر 2016

فيلم شيطان النيون ومفهوم الجمال في عصر الحداثة










الممثلة إيل فانينغ في دور شخصية جيسي



" لقد ارهقتك الحشرات السامة فخدشت جلدك وأسالت مِنك الدِماء، وأنت تتحصن بكبرك لتكظم غيظك وهي تود لو أنها تمتص كل دمك معتبرة أن من حقها أن تفعل؛ لأن دمها الضعيف يطلب دمًا ليتقوى، فهي لا ترى جناحًا عليها إذ تنشب حمتها في جلدك."

-         نيتشيه.

تبدو رحلة مشاهدة عملًا أخر لنيكولاس ريفن، مثل تذكرة لدخول الجنة. تنتظر الفيلم، ثم تترك روحك لتحلق من فرط السعادة.. هذه الميزة التي لا تحصل عليها في كثير من الأفلام، ميزة أن تشاهدًا فيلمًا، وتراه عينك بطريقة، وتقرأه بعقلك بشكل مختلف، وقد لا يتفق مشاهدان على نفس الفكرة التي خرجوا بها من تجربة الفيلم.
 وهي ميزة لا تتاح للمشاهد كل يوم.. كعادة أفلام ريفن، الافراط في خلق المشاهد الجميلة بصريًا، الألوان الزاهية، الارجواني والازرق، جمالية ان تندمج روحك داخل الفيلم، وتنصهر فيه، ثم تصير روحك جزء من الصورة التي تشاهدها.. الفرط بالإحساس، ولا تسمح لغموض القصة بأن يفسد عليك جمال تلك المشاهد، فالقصة في النهاية، هي الشيء الذي سوف يستنتجه عقلك في نهاية التجربة وليس حقا ما ستراه.



يقول الكاتب الأمريكي بول اوستر: "ان هناك نوعان من القراء، الشاعر.. وهو الذي يمسك الكتاب فيحب أن يتأمل اللغة ويستمتع بإيقاعات كل جملة، وقارئ الجرائد.. الذي يمسك الكتاب ويقرأ حتى يعتر على الحدث من دون ان يصب اهتمامه باللغة،" بالطبع، النوع الثاني، هو نفسه النوع الذي يشاهد الفيلم، فقط ليعرف ماذا سيحل بالبطل في النهاية.. من دون ان يعطي اهتمامًا كبيرًا لإيقاعات الصورة، أو الموسيقي بالخلفية، او حركة الكاميرا، او حتى ايماءات المُمثلين.. وهو النوع الذي لن يتمكن من الاستمتاع بفيلم " شيطان النيون" والذي كان عملاً أخر يضاف لقائمة الأفلام المفضلة عندي، من الناحية البصرية.



يبدأ الفيلم بمشهد لفتاة تجلس على كرسي بأجمل حلة، والدماء تتساقط من عنقها.. مشهد يختصر لنا الكثير من التناقضات التي سنراها خلال العمل.. جلسة تصوير، فيما يجتمع الجمال بالموت، الحياة بالبشاعة.. ثم نتعرف بعدها على بطلة الفيلم "جيسي،" -تلعب دورها إيل فانينغ- فتاة في السادسة عشر، تأتي إلى مدينة لوس انجلس لتصير عارضة (موديل) من دون ان تحمل أي ماضي معها سوى انه لا عائلة لها، ونكتشف أنها عذراء تتظاهر بالمعرفة بسبب خوفها من الجنس، وتقول في أحد المشاهد:


 "لم أكن جيدة في الكتابة أو الغناء.. لكني كُنت جميلة، والجمال يصنع النقود."


تنتقل جيسي للعيش وحيدة في شقة، في المدينة الكبيرة، حيث يلعب "كيانو ريفز"، دور صاحب البناية في هوليود، وهو رجل وغد وغاضب طوال الوقت، ويعتقد بأن جيسي تحتال عليه بعد ظهورحيوان اللبوة في شقتها من العدم -وهي أحد رموز الفيلم الغامضة.. ونرى هنا أيضًا، التشابه الكبير بين شخصية جيسي وبين بطل فيلم "درايف “DRIVE، حيث نشعر بروح لوس انجلس تطغو على أسلوب نيكولاس ريفن من جديد، فتاة مجهولة في شقة وحيدة مع جدران ملونة وحلم كبير.

تتطور أحداث الفيلم بعد أن تلتقي جيسي بفنانة المكياج، روبي – جينا مالون-وتعمل فنانة مكياج للعارضات في جلسات التصوير وأيضًا فنانة مكياج لجثث الأموات قبل دفنهم – تناقض أخر بين الموت والجمال-والتي تعرض عليها المساعدة ويتصادف أن يلتقيان في عدة مناسبات، فتعرفها على العارضات الأخريات اللواتي يعملن في نفس المجال، وهنا، تبدأ ملامح الفيلم بوضوح، حين تبدو أحدهن الشعور بالغيرة في أول لقاء لها من جيسي، مثل أنّ تسألها: هل انفك حقيقي أم ألا، ثم تسألها إذا كان لون شعرها حقيقي أم لا أيضًا."                                                                                                                 
                                                                          

 الغيرة التي تنشب بين العارضات، ورغبة كل واحده فيهن بأنّ تكون الأكثر جمالًا وتميز.. الأنحف، الأروع، الأكثر تألق.. يقول نيكولاس ريفن، انه أختار أن يكون عالم الموضة هو مسّرح لأحداث فيلمه لأنه أكثر العوالم " زيفًا وتصنعًا."



 وفي هذا العالم المليء بالزيف والجمال، الذي تتصارع فيه العارضات، تأتي جيسي بوجهها الملائكي الجميل، لتحول حياة العارضات الأخريات إلي نار مشتعلة.. وحين تبدأ جيسي بالشعور بقوة ذلك الجمال البريء الخجول الذي يميزها عنهن، وانتصارها في جلسات التصوير، أو تفوقها في نيل إعجاب مصمم أزياء، يبدأ الصراع بين قوتها الداخلية والقوة الخارجية التي تتمثل في غيرة وحسد الجميع منها.


في أحد مشاهد الفيلم، حين تظهر جيسي في مثلث الضوء الأزرق، مع الموسيقية التصويرة التي لن ينساها عقلك، وتراقب نفسها فيما تبدأ بتقبل انعكاس صورة وجهها في المرأة.. ثم تتحول صورتها إلي اللون الأحمر الذي يعزز فيها الثقة ويتحول المثلث معها إلي الأحمر.. هذا الخليط الغريب بين حب الذات، والجمال الداخلي، والحسد، والغيرة، والرغبة في التفوق عن الاخريات، يجسده لنا نيكولاس بطريقة بصرية، أقرب إلى جولة داخل اعماق النفوس البشرية للأنثى، من خلال جسد فتاة في السادسة عشر، والمحيط المتوحش الذي يحاول سلبها ذلك الجمال، ربما تشعر معها بالرعب، والخوف من الجمال نفسه.. لكنه بالفعل الرعب النفسي داخل عقل فتاة والمسؤولية التي ترافق ذلك الجمال.


مشهد المثلث الأزرق




" أنك ستبلغ الجمال يومًا، فترفع المرأة إلى وجهك لتتمتع برؤية جمالك، وعندئذ تختلج روحك بالشهوات وعندئذ تتجلى العبادة في غرورك."

-         نيتشيه.

يقول ريفن، لقد ولدتُ قبيح لكن زوجتي كانت جميلة، فأردتُ صنع فيلمًا عن الجمال.. ونظرًا لكوننا نعيش في عالم تسطير عليه فكرة الجمال، والجمال الظاهري، فأن مشاهدة فيلم يظهر بشاعة الصراع عن الجمال هي بمثابة محاولة لعكس تِلك الاخلاقيات التي قضى عليها مفهوم الجمال في العصر الحديث. 

لم اشاهد أي عمل جسد تِلك الفكرة بنفس الطريقة التي حول بها نيكولاس ريفن، من خلال " الفتاة ذات السادسة عشر" التي تقطن في داخله – كما قال-أن يعكس ذلك المفهوم، الجانب الإنساني في عالم الموضة الذي قتله التصنع.. قد يجدها عدد كبير من الناس رؤية معقدة، ومبالغ فيها، لكن مفهوم الجمال والصراع الذي جعل كل تِلك العارضات تحولن أن تصّرن نسخة مطابقة عن الجمال الموجود في "جيسي،" من خلال الاستحمام بدمائها، وألتهام جسدها، تشبه في الواقع الوحشية التي يهجم بها المراهقين على صور النجوم أو المشاهير عبر مواقع التواصل الاجتماعي، الانستغرام والفيسبوك وغيرهما.. متحولين من شخصيتهم الخاصة إلى نسخة مطابقة عن ذلك النجم أو المغنية؛ حتى يحصلوا علىّ الاهتمام ويغدُو شعورهم بالنفص، والحصول على أكبر عدد إعجابات لصورهم الخاصة.. 

 حين يصيرو هؤلاء المراهقين، او الاجيال الأصغر، متابعين لأخر صيحات الموضة والجمال من دون أن يشكلوا فكرهم الخاص وذاتهم معتقدين انهم لن يكونوا جيدين إلا بالحصول علي تِلك الهيئة المثالية، أو أنّ يصيبوا بالإحباط والكأبه لكونهم لن يصيروا مثل تِلك أو ذاك.. والطريقة التي قد تقضي بها احدهن أو أحدهم عن شخصيته الخاصة ليصير نسخة مثالية عن أحد المشاهير.. أنه لأمر خطير ويصعب السيطرة عليه.





وتقول أحد العارضات متكلمة عن أخرى -في أحد الفيدوات في اليوتيوب- انها قد قامت باغلاق حساب الانستغرام بسبب الضغط التي تفرضه عليها الشركات؛ لتقضي ساعات في التقاط صورة مناسبة لها لتطرحها للمعجبين، وهي لا تكون راضية عنها في نهاية.. مِما يعني أن في ذلك الجمال المزيف انتهاك أيضًا، لاخلاقيات الانسان الذي هو العارضة نفسها.

 أراي أن مفهوم الجمال الذي طرحه ريفن، يحمل نظرة مختلفة رغم الرعب والبشاعة التي رافقت رؤيته، البدء من الصراع الداخلي والثقة بالنفس إلى الصراع مع المحيط لأثبات الذات. 


في النهاية كما يقول المخرج الإيطالي فيدريكو فيللني: " نحن نعيش في عالم المظاهر أكثر من الواقع."