الأربعاء، 31 مايو 2017

عالم ما بعد المطر- قصة قصيرة



"عالم ما بعد المطر"



(1)

كان صوت قطرات المطر كالصدى داخل رأس هوبيان، ما أن غفّى لحظة حتى بدأ ضجيج هطول المطر يقرع كالطبل من جديد. نهض منتفضًا من مكانه بعد أن وقعت دودة عُشب عملاقة فوق كثفه محاولة الالتفاف حول مرفقه.
 وتذكر فجاءة بأن المطر قد توقف.
بدأ كل ذلك قبل عشرات السنين، ربما مِئات السنين، قال لهم أحد كبار سكان القاع حيث يعيش هوبيان بأن المطر لم يتوقف يومًا عن التساقط، لا أحد يتذكر متى بدأت الامطار بالسقوط فهي موجودة منذ بداية الوجود. لكنها في إحدى المرات أمطرت في كل بقاع الأرض ولم تتوقف بعدها. استمرت لأسابيع، ولشهور ولسنوات؛ أخيرًا قرّر البشر بأنه لم يعد بوسعهم العيش معها وأن عليهم الفرار منها إلى قاع الأرض.
«ما هذا الشعاع؟»
 كانت  تلك أول كلمة ايقظت هوبيان في صباح اليوم الأول بعد توقف المطر.
«لا أدري.» قال ذلك وهو يهرع من سريره نحو الشعاع القادم من الثقوب الصغيرة الموجودة في سقيفة المختبر الذي يعمل ويعيش فيه مع رفيقه.
«هل سمعت هذا؟»
«ماذا؟»
انتظرا لحظة في صمت حاد ثم أضاف هوبيان قائلًا: «لا يوجد صوت.» وأضاف بعد ثانية: «لا يوجد صوت طبول قوية في الخارج، إن هذا الهدوء مرعب!»
«أجل! هذا ما أعنيه. لا يوجد أية أصوات إطلاقًا!»
خرج هوبيان مسرعًا هو ورفيقه وكان هناك حشد من سكان القاع، يتجولون داخل ممرات المسكن المظلم الذين يحتمون فيه من الامطار منذ يوم ولادتهم، ويوم ولادة ابائهم واجدادهم. لقد كان التفكير في العالم الخارجي يجسد رعبًا لهم جميعًا، وعبر ازمنة طويلة، كان هناك الكثير من الأشخاص الذين حاولوا الفرار إليه، وحاولوا أيضًا اكتشافه، لكن احدًا لم يفلح بالعودة من عالم المطر. ذلك العالم الخارجي حيث سطح الأرض، تقبع فيه المستنقعات الواسعة، والانهار الجارية، والحشرات العملاقة والنباتات السامة. فهذه المساكن والمختبرات الصغيرة الذين يحتمون في داخلها هي سبيلهم الوحيد ليحظوا بأشعة الشمس الصناعية، حيث يعملون ليلًا ونهارًا على تشغيلها وصيانتها؛ ليتمكنوا من زرع المحاصيل الصالحة للأكل والاستمرار بالعيش.
«هذا جنون. إن هذه الأشعة هي أشعة الشمس!» قال رجل عجوز قصير القامة.
«هذا لا يمكن! المطر يحجب الشمس منذ وقت طويل.» رد عليه عجوز أخر.
«أجل، لكني متأكد من ذلك. استمع لهذا الهدوء يا رجل!»
« الهدوء..»
كان هناك صوت ضجيج بكلمات تنتقل بين الناس من شخص لأخر، وهمهمات الذين مازالوا يتسألون عن تلك الأشعة، حتى صاح رفيق هوبيان أخيرًا: «أصمتوا من فضلكم.»
نظر الجميع نحو هوبيان ورفيقه.. وبعدها صمتوا.
كان الهدوء يحمل نكهة حامضة.. كان مرعبًا وأصاب الجميع بالتوتر، رغم ذلك كانوا جميعًا يحاولون الحفاظ على انفعالهم وقلقهم لينصتوا جيدًا لذلك الهدوء الذي سكن فوقهم.
«الهدوء.. إن هذا الهدوء غريب.. يجب أن يذهب أحدهم إلى الخارج، لنتأكد بأن مصدر هذه الأشعة هي الشمس فعلًا.» قال العجوز القصير.
«هل توقفت المطر حقًا؟» قال رجل من الحشد.
فرد العجوز القصير: «يجب أن نخرج لنكتشف ذلك!»
قالت إحدى النساء: «ومن المجنون الذي سيخرج إلى عالم المطر الخارجي؟»
«لكن صوت المطر اختفى.» همست أخرى.
«هذا لا يمكن أن يحدث أبدًا.»
وصاح أخر: «المطر لا يتوقف.. نحن نموت وهو لا يتوقف!»
«ماذا عن الشمس؟»
استمرت تلك التساؤلات حتى اقترب هوبيان من العجوز القصير وسأله: «هذه الاشعة ليس بوسعها قتلي صحيح؟»
نظر العجوز بارتياب لصديقه الأخر وقال: «بالطبع.. أشعة الشمس لا يمكنها أن تصيب احدًا بضرر مادام يرتدي القناع الواقي إلا إذا تعرض لها بشكل مباشر ونظر نحوها لوقت طويل.»
قال هوبيان: «إذا سوف أخذ إذنًا من المجلس الأعلى بالخروج لأعرف مصدر هذه الاشعة.»
نظر نحو الحشود المجتمعة حوله وقال من جديد: «هل يريد احدًا المجيء معي!»
عادت أصوت الهمسات والهمهمات تعلو وتنخفض من جديد.

(2) 

مشى هوبيان فوق الأرض الطينية الزلقة بحذر، كان يمشي وينتظر بترقب وقوع مصيبة كبرى. في البداية كان منزعجًا من كثرة الأعشاب التي تلف كل شيء من حوله تقريبًا، والحشائش الكثيرة التي تنمو بعشوائية في كل بقعة، وتتدلى من كل شجرة لتغطي طريقه. لكنه اكتشف بعد عدة محاولات من قطعها، بأنها هشة للغاية، إنها فقط لا تتوقف عن النمو بسرعة من جديد. كانت الأشجار نفسها قابلة للكسر بسهولة. ما أن يمسك بغصن شجرة حتى ينفصل عن مكانه بين قبضته الصلبة.
ارتفع بقربه صوت طنين شديد القوة كان يزداد بشكل تدريجي، فبحث حوله بسرعة عن مصدر الصوت وأخد يجري منخفضًا ليختبئ خلف شجرة طويلة، عبرت جموع كبيرة من البعوض "ذو الرأس السهم" فوق رأسه وانغرست بالشجرة التي اهتزت راقصة وتسببت في تساقط قطرات المطر المتجمعة على اوراقها فوق رأسه المحمي بقناع التنفس، و سقط معها بعض البعوض الذي لم ينجو من الاصطدام بالشجرة. نظر هوبيان للبعوض الساقط بشفقة. كان مظهرها يبدو مخيفًا كما لو أنها سامة. لكنه سرعان ما أدرك بأن تلك المخلوقات ليست إلا ضحية اخرى لتوقف المطر، فكل شيء في العالم الخارجي كان هشّ من دونها.
«حسنًا عليّ المواصلة!»
قالها بصوت مسموع كما لو أنه كان يخاطب الشجرة التي احتمى خلفها. ومسك حقيبته بإحكام ومظلته، وواصل السير.
ردد بعض كلمات الأغاني القديمة التي حفظها حين كان يذهب للمدرسة القديمة، المكان الذي تعلم فيه القراءة والكِتابة. فسكان القاع يعلمون جميع أطفالهم القراءة والكِتابة عن طريق الغناء؛ كان ترديد تلك الأغاني لزمن طويل قد جعلها بالنسبة لهم مثل تراتيل نشيد ديني أو دعاء للصلاء لا يمكن أن يمر يومًا من دون أن يرددها احدًا منهم بشكل عفوي على لسانه. كان هوبيان، وعكس الكثير من التلامذة الصغار الذين في عمره، يحب تلك الأغاني بشدة وتعلمها بإتقان. وكان يقول بأنه يريد أن يصبح شاعرًا حين يكبر ليكتب الأغاني ويعلمها للأطفال، لكن هوبيان بطريقة ما غيّر مسار حلمه، وانتهى كمهندس صيانة لمولدات طاقة اشعة الشمس الصناعية وأصبح يقضي معظم وقته في قسم المختبرات. لم يسأل نفسه يومًا كيف انتهى به الحال هكذا، لكن كان يعلم دومًا بأن هناك ما ينتظره، ولم يعرف ماذا كان ذلك الشيء حتى شاهد أشعة الشمس في ذلك الصباح البعيد.

(3)

خرج فريق من المستكشفين الذي اختاره المجلس الأعلى من سكان القاع إلى السطح في نفس صباح اليوم الذي توقفت فيه المطر، وكان هوبيان قد حصل على إذن بالخروج معهم بعد جدال طويل إذ غالبًا لا يسمح للخروج إلا للأشخاص المجهزين جيدًا للإستكشاف، ولأن عدد لا بأس به من الرجال العاديين من أمثال هوبيان، رغبوا في الخروج أيضًا. حلم هوبيان بالخروج هناك منذ صغره، قيل له بأن والده خرج ذات مرة إلى المطر ولم يعد، ولم يعرف كثيرًا عن والده سوى الأحاديث القليلة التي كانت امه تخبره عنها، لكنه الآن قد حصل على تلك الفرصة التي انتظرها طويلًا، الأمر الوحيد المختلف الأن، هو أن هوبيان خرج إلى السطح بعد أن توقفت المطر.
بعد أن تجاوز الباب الرئيسي الذي يحمي مسكنهم تحت الأرض والمحمي جيدًا بالحديد والفولاذ الصلب، أسرع الرجال في حالة من الذهول بعد أن رأوا العالم الأخضر الفسيح من حولهم، العالم الذي غسلته الأمطار لمئات السنين، حتى شحب وذبل، والآن هو ناصع أخضر، وبراق.
«لا تبتعدوا عني.» قال قائد الفريق.
«انظروا، لا يوجد مطر!» هتف احدهم.
«لا أصدق. هل توقفت المطر فعلا؟»
«اسمعوا! أن هذه الاشعة تأتي من خلف تلك الأشجار. دعونا نقترب نحوها!»
تحرك الرجال معًا نحو مصدر الاشعة وكلما ابتعدوا عن الأشجار الكبيرة حتى ظهرت لهم السماء المضيئة، الساطعة. وسرعان ما احتمى أحد الرجال وقال بصوت صارخ: «انها تحرقني!»
«ابتعد عنها.» قال القائد.
احتموا جميعًا تحت ظلال الشجر، وكانوا يحاولون التحديق نحو السماء بجهد كبير، يسترقون النظرات، محتمين بأذرعهم ومظلاتهم.
قال رجل: «هل علينا العودة لإخبار الاخرين؟»
«أجل سوف نعود. لكن علينا أن نكتشف أولًا أين اختفت المطر.» رد هوبيان.
قال واحد أخر: «لا شك بانها توقفت، توقفت وحسب.»
«هذا لا يمكن يا رجل! إن المطر لا تتوقف هكذا وحسب! هل تعلم منذ متى وهي تمطر؟» رد عليه الرجل الأول.
«منذ مئات السنين، ولا بد أن هناك سببًا وراء ما يحدث.»
قال هوبيان لهم بصوت حازم: «من يريد العودة فليعد. أما أنا فسوف أبحث عن مصدر الشمس!»
«لا يمكنك أن تصل الشمس، أنها في السماء هناك ..أنظر!»
«أعلم ذلك لست بالأحمق. لكن يجب أن نكتشف لماذا ظهرت الآن.» قال هوبيان.
«سوف أعود، من يريد العودة؟»
رفع الرجال الثلاثة أياديهم مع القائد. وقال هوبيان: «ماذا جرى لكم! ألا يريد أحدًا منكم القدوم.»
«أسمع يا فتى، لا أحد سبق وأن عاد من العالم الخارجي، هل تعرف لم؟» قال القائد.
«لأن لا أحد يريد أن يعود إلى القاع بعد أن يكتشف هذا العالم الشاسع!» رد هوبيان.
«إطلاقًا، لكن لأن المكان هنا ليس أمنّ بما فيه الكفاية. ونحن لا نريد أن نخسر المزيد من الرجال. ألا يكفينا كم خسرنا؟ عليك أن تعود معنا الأن، وسوف نتشاور مع المجلس الأعلى حول الأمر، بعدها سوف نقرر العودة أم لا.»
نظر هوبيان إلى الرجال الثلاثة الذين معه وإلى القائد. كان الخوف باديًا على محياهم رغم رغبتهم الشديدة في اكتشاف العالم. وكانوا جميعاً لا يريدون من هوبيان أن يواصل المشي نحو الشمس لوحده. لكن هوبيان كان يحدق نحو أشعة الشمس المتسللة من خلف الأغصان، وكان يسأل نفسه بلا توقف «لماذا عادت؟»

(4)

لمح هوبيان بركة واسعة على بعد خطوات منه. كانت مهملة مثل باقي الأدغال المطرية. تقفز منها الضفادع المنتفخة، كانت متخمة بأكل البعوض والذباب الطنان؛ حتى يصعب على بعضها القفز نحو فريسته من شدة بدانتها. توقف هوبيان هناك يتأمل تلك الحيوانات الغريبة عن بعد.. وكان يفكر في اصطياد بعضها ليتأكد ما إذا كانت صالحة للأكل أم لا، بعد أن نفذت كل مؤونته ولم يتبق معه إلا قليلًا من البقوليات الجافة والتي لم تعد تكفيه ليشبع. نظر إلى الضفادع لبعض الوقت ثم قرر أن يواصل التقدم نحو البركة.
بعد أن مشى عدة خطوات نحو البركة، وضع يده فوق الانبوب الزجاجي على صدره الذي كان يحمل نبتة اللبلاب التي يستمد منها الاكسجين الطبيعي.
كانت الانابيب مزودة بالنباتات الطبيعية التي نمت بفضل أشعة الشمس، فبعد أن توقفت المطر بأيام، بدأت تخرج من الأرض تحت بقاع اشعة الشمس المتسربة من السقف، نباتات غريبة الشكل. كان الجميع مذهولًا من ظهورها، فهي لا تشبه النباتات العادية الذي يعيشون على أكلها من اشعة الشمس الصناعية والماء المعقم. لكنهم اكتشفوا بأن تلك النباتات ظهرت بفضل أشعة الشمس وأنها اعادت الهواء الطبيعي النقي إليهم من دون اللجوء إلى أجهزة التنفس الصناعي وهذا جعلهم يتأكدون بأن العالم القديم، بدأ يعود من جديد.
«قطرة .. قطرة .. هكذا بدأت تهطل .. أمطار الشتاء.. واقترب الحزن .. من عيناي..»
غنى هوبيان تلك الكلمات وهو يقترب أكثر وأكثر نحو البركة، ووقف أخيرًا لجوارها. أشتم رائحة الهواء الثقيل، وأستمع لطنين البعوض واليعسوب "الصياد" الصغير الذي كان يحاول الالتصاق بقناع هوبيان قبل أن يبدأ بالتلويح بيده ليطرده.
كان المكان غير صالح للحياة، فلون الماء العكر يميل للخضار والسواد. والحشرات تقفز خارج وداخل البركة. شعر هوبيان بقليل من الغثيان وهو يحدق بكل تلك الأشياء أسفل حذائه الملطخ بالطين وبقايا الحشائش والبعوض "ذو الوجه السهم". ثم فكر بالعودة ليبحث عن مكان اخر يشق منه طريقه نحو القمة، حيث تكون أقرب بقعة لأشعة الشمس.
ما إن استدار هوبيان وترك البركة خلفه، حتى جاء صوت هسيس قوي مع رفرفة عصافير فوقه.
نظر هوبيان نحو السماء ليراقب الطيور الضالة المحلقة بعيدًا. وبعد لحظة ظهر ظلًا أسود خلفه وانتفضت مياه البركة مرتعشة حتى لامسته.
كان ذلك الشيء الذي ظهر من البركة يختلف عن أي شيء أخر سبق وراه هوبيان منذ لحظة خروجه من القاع. لم يكن مثل الضفادع رغم تشبهه بها. ولم يكن مثل البعوض المجنون الذي يطير بلا وجهة.
التقط أنفاسه وحدق خلفًا من جديد في ذلك الشيء النابض خلفه. وحش عملاق، كتلة ضخمة من اللحم يكسوها الجلد الخشن المصبوغ بالرماد والخضرة وتنبعث منها رائحة كريهة، تشبه رائحة الخضروات المتعفنة والفطريات الطاعنة. كان رأسه يشبه التمساح، لكن جسده خليط بين الضفادع والتماسيح وربما افاعي الماء، مع كرة عملاقة فوق ظهره، جعل التحديق نحوها قلب هوبيان ينبض بسرعة شديدة. لا شك في أن ذلك الشيء كان يعيش في أعماق، أعماق، تلك البركة القذرة. اصدّر الوحش صوت هسيس مرتفع جعل القشعريرة تسري فوق لحم هوبيان الخائف كلسعات الكهرباء الخفيفة.
«مرحبًا!» قال هوبيان بمرح متصنع ومتردد.
فعاد الوحش ليصدر صوت الهسهسة المرعب، ففهم هوبيان بشكل مباشر بأن ذلك الشيء القذر لا يرحب به.
«رباه! »
اصابته الصدمة بالشلل فعجز عن التفكير للحظات، لكنه سرعان ما قفز يجري في الاتجاه المعاكس للبركة، ولسوء حظه بدأ ذلك المخلوق الهجين بالركض خلفه.
ركض هوبيان بكل جهده، وواصل الوحش الجري.
 في البداية كانت المسافة بينهما كبيرة، حتى فكر هوبيان بأن ذلك الوحش اللعين سوف يسأم بعد وقت ويعود ادراجه، لكن المفاجأة بأن سرعة الوحش ازدادت اضعافًا بعد مضي قليلًا من الوقت. لا شك بأنه كان ينتظر قدوم فريسة ليلتهمها. وفكر هوبيان أيضًا بأن ذلك الوحش نفسه سببًا مقنعا يجعل كل الرجال الذين يخرجون إلى عالم المطر لا يعودون.
تخلص هوبيان من حقيبة ظهره، فتركها تحلق خلفه لينقض عليها الوحش بكل قوته ويجعل امتعتها تتطاير متحطمة. لم يكن عند هوبيان الوقت ليقلق حول فقدانه لحقيبته لكنه كان متمسكًا بمظلته بكل قوته، فقد كان خوفه الأكبر في تلك اللحظة أن ينتهي به الأمر بين مخالب الوحش.
تعثر بجدر شجرة ضخم متربص امامه ووقع ارضًا، فقفز الوحش العملاق من فوقه ليصير أمامه مباشرة.
علا صوت فحيح وهسيس الوحش، وأصدر صوت مواء عالي فاحت منه الرائحة الكريهة من جديد. تراجع هوبيان إلى الخلف قليلًا وحاول الوقوف وهو يحمي بذراعه أنبوب الاكسجين خاصته الذي يحتوي نبات اللبلاب، لكن الوحش اندفع نحوه مثل الثور الذي ينقض على الراية الحمراء. للأسف لم يكن لهوبيان حظ الراية الحمراء التي ترتفع في اللحظة الاخيرة، فانقض عليه الوحش بكل قوته واصطدم بمعدته وشخر عليه بعنف شديد، فطار هوبيان كورقة يضربها الريح. ووقع ممتدا على طوله فوق حشائش أدغال المطر واستمع لصوت طنين الذباب والبعوض البعيد.
لقد انكسر أنبوب الاكسجين الذي يحمل نبات اللبلاب والذي يزوده بالهواء النقي.

(5)

تحت اشعة الشمس المتسللة من الثقوب في السقف لاحظ أحد الأطفال وهو يلعب وجود شيء غريب فحاول حفر المكان ليكتشف ذلك الشيء.
«تعالي وأنظري!»
نادى الطفل أمه، ومن ثم اجتمع عدد كبير من السكان حول اشعة الشمس المتسللة التي اعتادوا العيش معها خلال أيام قليلة بعد توقف المطر ليكتشفوا وجود نباتات جديدة نمت حديثًا على بقايا التراب الصالح وقال أحد الفلاحين: " هذه النباتات طبيعية! إنها أفضل بكثير حتى من النباتات التي نقوم بغرسها في الحقول.»
منحتهم تلك النباتات التي نمت تحت أشعة الشمس، الاكسجين أفضل من أي جهاز تنفس اصطناعي سبق واستعملوه. كان هوبيان هو أول من اخترع الانبوب الذي احتوى نبتة اللبلاب حين رفض المجلس السماح له بالخروج إلى العالم الخارجي مرة أخرى. ولم تمض أيام عديدة، قبل أن يبدأ جميع سكان القاع بالمرض جراء تلك التغيرات البيئية غير المتوقعة.
كان رفيق هوبيان واحد من الأشخاص الذين تعرضوا لتلك الامراض الغريبة التي بدأت تنتشر بينهم، وكان أحد الأشخاص الأكثر الحاحًا بمطالبة الخروج للعالم الخارجي كما هوبيان.
لم يكن جميع سكان القاع يرغبون في الخروج، غالبًا بسبب خوفهم من الشحوب الذي يلفح العالم الخارجي، فحين كانت الامطار لا تتوقف كان السير تحتها لساعات يبدو كجحيم لا يحتمل، لكن لا شيء يبرر خوفهم الآن بعد أن توقفت المطر.
الأمور ازدادت تعقيدًا بعد أن بدأ المرضى بالموت واحدًا تلوى الأخر، وانتشر المرض بين الرجال والنساء أيضًا. حاول الجميع بذل قصار جهدهم لمعرفة الأسباب وانقاذ ما يمكن أنقاذه، لكن في غضون شهور قليلة، لم يتبقى من سكان القاع إلا عدد لا يتجاوز أصابع اليدان مجتمعتان.
حينها عرف الباقون منهم بأن ما يجب أن يفعلوه الآن، هو الخروج إلى السطح. حيث كانوا يأملونّ بأن يجدوا الحياة الجديدة التي تنتظرهم هناك، حتى يتأكدوا بأن العالم القديم-عالم ما قبل المطر-بدأ يناديهم من جديد، وعليهم الخروج من جحورهم المظلمة.
لكن احدًا منهم لم ينجو، ولم يبقى لهوبيان، إلا نبات اللبلاب وقناعه الذي يتنفس به.

(6)

كان صوت قطرات المطر كالصدى داخل رأس هوبيان، ما أن غفى لحظة حتى بدأ ضجيج هطول المطر يقرع كالطبل من جديد. نهض منتفضًا من مكانه بعد أن وقعت دودة عُشب عملاقة فوق كثفه محاولة الالتفاف حول مرفقه. 
وتذكر فجاءة بأن المطر قد توقف.
تذكر هوبيان الآن كل شيء، لا أحد هناك في القاع ينتظره، وأن الجميع قد فارق الحياة. وتذكر أيضًا، بأنه الأن وهو طريح الأرض، بسبب ذلك الوحش الذي ظهر له من العدم، بأن الأنبوب الذي يحمل نبات اللبلاب-رفيقه الوحيد-قد تحطم.
«لن أسمح بحصول ذلك!»
قالها بصوت صاخب مرتفع وهو ينهض، ومسك بمظلته الذي كان يحتمي بها من أشعة الشمس، وحاول استعمالها كمسند للوقوف. نظر صوب الوحش بنظرات ملتهبة من خلف القناع. لم تعد هناك حاجة للإحتماء بالقناع سوى من أشعة الشمس القاسية التي تلوح من الأفق البعيد.
أعاد الوحش شخيره العالي الذي دفع بالطيور للنحيب والهرب. 
وقف هوبيان وهو يحاول أن يجمع أنفاسه، فهرع الوحش صوبه من جديد مسرعًا، وحين أوشك على الاقتراب من هوبيان، نفثت من كرته الموجودة فوق ظهره، مادة لزجة اندفعت منه كالبصاق، ففتح هوبيان مظلته بسرعة ليحتمي بها، فاحترق قماشها وتلاشى بطريقة اثارت فيه الذعر.
شعر للحظات بانه سيعود للجري، لكنه فكر من جديد، مازال لديه سلاحًا أخير، فسحب قماشة المظلة ونزعها بعيدًا، ليخرج من تحتها عصا طويلة، سحب غطاء العصا ليخرج من تحتها سيفًا حادًا طويلًا، كان يحتفظ به لمثل هذه اللحظات، لكنه لم يتصور بأنه سيلجأ إليه في النهاية.
وقف هوبيان استعدادًا لمواجهة الوحش، فهو رغم كل شيء، لم يسبق له في حياته أن استعمل هذا السيف في معركة حقيقة. كانت كل مظلات المستكشفين تزود بمثل هذه الأسلحة، فعادة لا أحد يخرج إلى عالم المطر من دون التدريب الجاد والتمارين القاسية، وفرصة هوبيان بالخروج إلى العالم الخارجي من دون أي تدريبات حقيقية جعلته الآن يشك في قدرته على استعمال السيف.
 هكذا إذن تحرك نحو الوحش من دون خوف وهو يفكر في كل شيء قد خسره حتى هذه اللحظة، وكل الذين ماتوا من سكان القاع، وفكر بأنه لم يعد لديه ما يخسره لذلك سيفعل المستحيل للتغلب على الوحش. وجرى بخفه وقوة، وراح يلوح بالسيف عاليًا وهو يقفز طائرًا نحو السماء، لينقض بعدها مباشرة فوق كرة الوحش العملاقة.
قطعها بالسيف بحركة واحدة.
لكن الوحش ثار من جديد، ليجد هوبيان نفسه يتعرض إلى نطحة قوية أخرى على معدته، وشاهد سيفه ينكسر إلى قطع صغيرة كما انكسرت أحلام سكان القاع عند عودة المطر، كل شيء كان يحلق بعيدًا عنه، سيفه وحياته، جعلته الصدمة يفقد توازنه من جديد ويقع أرضًا. فكر أخيرًا كم من الأشخاص قد فقدوا حياتهم جراء مثل هذا النزاع، هل حقًا مات كل الأشخاص الذين خرجوا إلى عالم المطر، ألم ينجو منهم شخصًا واحدًا، واحدًا فقط؟
نهض هوبيان على ركبته بصعوبة وهو يحملق بالوحش امامه ويبحث عن خطة ليتجنب الاشتباك معه من جديد.
تحول وجه الوحش الغاضب إلى تعابير أكثر قسوة، وأكثر رعبًا. كانت عيناه الآن سوداتان بالكامل، ورائحته ازدادت سوءًا بعد أن فقد الكرة. لم يكنّ يبدو واضحًا أن هناك فرصة حقيقة لهوبيان بالنجاة لكنه بقي يرمي قطع الحجارة الصغيرة المتناثرة أرضًا على الوحش حتى يبقيه منشغلًا.
تراجع هوبيان إلى الخلف، أكثر وأكثر.
ازدادت الآن أشعة الشمس من فوقه واكتشف هوبيان، بأنه قد اقترب من القمة، اقترب من الحافة حيث لا أشجار تحجب الشمس.
وحين اندفع الوحش اخيرًا نحو هوبيان ليفترسه، احتمى هوبيان بكل ما اوتى من قوة. فيما وقف الوحش بكامل جسده فوقه، كان هوبيان يدافع عن نفسه متشبثا بالحياة، وينتظر تلك المعجزة، لكنها جاءت حين سطعت الشمس من خلفه بقوة، جعلت الوحش التعيس يصدر صوت هسيس منقطع الأنفاس وأنين ألم ضعيف.
استغل هوبيان تلك الفرصة ليقوم بركل الوحش بقوة وعنفوان، فحلق الوحش عاليًا، لم يكن يعرف أن كان ذلك بسبب اشعة الشمس أو بسبب الكرة التي قطعها عن ظهره، لكن الوحش سقط من حافة الجرف، وجذب هوبيان معه.. لولا أنه تمسك بسرعة بالصخور الكبيرة وبقي معلقًا في الهواء ويلتقط أنفاسه.
سقط الوحش من الحافة ليلقي حتفه.
حاول هوبيان أن يرفع جسده عاليًا بصعوبة، متسلقًا الحافة ليعود إلى السطح.
كانت اشعة الشمس حارقة، وكان وجه هوبيان قد أشتعل بالحرارة تحت القناع، فما أن استعاد توازنه وصعد إلى الأعلى حتى رمى قناعه بعيدًا والتفت خلفًا نحو اشعة الشمس.
كان ذلك هو الشيء الوحيد الذي لن ينسى هوبيان رؤيته طوال الثلاثين سنة القادمة التي سيعيشها. كانت اللحظة الذي شاهد فيها ذلك العالم الشاسع خلف الحافة، والشمس في منتصف السماء عالية، شامخة، تضئ العالم بأسره، ورأي انعكاسها أسفلًا فوق البحر الحقيقي الذي يراه للمرة الأولى. عرف حينها، بأنه قد عاش طوال حياته مثل بقية سكان القاع محاصرين بالمطر، ولم يدركوا إلا بعد أن خسروا كل شيء، بأن رعبهم من مواجهة المطر جعلهم يعيشون سجناء لذلك الخوف ويفقدون قدرتهم على التأقلم مع الطبيعة التي لم يعرفوا عنها شيئًا سوى أنها أخذت منهم حياة الكثيرين، ولأن سكان العالم القديم فروا منها. 
كانت رؤية العالم الخارجي هي ما جعل هوبيان، يؤمن بأنه سوف يجد اخرين مثله، وبأن سكان القاع ليسوا إلا جزء صغيرًا من عالم كبير عليه أن يكتشفه. ولم يكن اكتشاف ذلك العالم ليكون ممتعًا لو أن هوبيان بقي ضحية لتلك المخاوف التي توارثها من جميع الذين كانوا من قبله، ولولا ايمانه بأن الشمس سوف تنقذه.
كان هناك عالمًا كبيراً، قال هوبيان ذلك وابتسم ابتسامة عريضة غطت وجهه، وقال أيضًا، وهناك عالم ما بعد المطر وعليّ المضي لأجله.
وكان غروب الشمس هو أجمل ما تذكره هوبيان عن ذلك اليوم لبقية حياته.

تمت.